حين تذكر «الكنافة» في أي مقام لا بد أن تتذكر مدينة نابلس الفلسطينية، التي تكاد هذه الحلوى تشكل جزءاً مهماً من تراثها، حيث باتت تعتبر بمثابة سفيرة نابلس في كل مكان، إلا أن الكنافة تعد جزءاً يسيراً من تاريخ تلك المدينة الوادعة بين أحضان جبلي جرزيم وعيبال، والتي تشم في حاراتها سنوات غائرة في التاريخ الإنساني، تلك الحارات التي خلفت أناساً أضحوا أعلاماً في الأدب العربي، أبرزهم إبراهيم طوقان وفدوى طوقان اللذان رسما بشعرهما آلاف اللوحات الفنية. الحديث عن نابلس قد يطول ولا يقصر في أي مضمار، فمن الناحية التاريخية فهي تعد واحدة من أقدم مدن فلسطين الموغلة في البعد التاريخي، ومن الناحية الاقتصادية فهي تمثل رئة فلسطين لموقعها الجغرافي الذي يتوسط فلسطين، كما تعد عاصمة شمال فلسطين، و»عش العلماء» و»مملكة فلسطين غير المتوجه»، كما تعرف أيضاً بأنها «دمشق الصغرى»، وقد عرفت في التاريخ الحديث باسم «جبل النار»، وقد حظيت بهذا الاسم في الانتفاضة الأولى، حيث تصدرت المدن الفلسطينية في انطلاقة شرارة الانتفاضة الأولى عام 1987. التاريخ القديم قديماً كان يطلق على نابلس اسم «شكيم» وهو اسم كنعاني (أي المكان المرتفع)، والبعض يلفظها باسم «شخيم»، كما تسمى حالياً باللغة العبرية، إلا أن الاسم تحول إلى «نابليوس» في العصر البيزنطي، وبقي الاسم مستخدماً حتى زمن الخليفة أبي بكر الصديق، حيث فتح العرب المسلمون المدينة وفلسطين وبقية بلاد الشام، حينها أطلق على المدينة اسم «نابلس» وهو الاسم المستخدم حتى الآن. أقدم المدن تعد من أقدم مدن العالم، حيث يعود تاريخها الى 5600 سنة (أي الى عام 3600 قبل الميلاد)، وهي لا تزال تحافظ على موقعها الجغرافي القديم، حيث تقع بين جبلي جرزيم وعيبال، وبحسب الوثائق التاريخية، فأصل المدينة يقع عند ملتقى جبل جرزيم وتحديداً فوق تل كبير يطلق عليه الآن اسم «تل بلاطة» (حيث يقع مخيم بلاطة المعروف)، والواقع في القسم الشرقي من المدينة. وتقول الوثائق التاريخية إن أقدم من سكن نابلس (شكيم) من العرب هم الحويون والفرزيون، وكانت نابلس من أشهر المدن الكنعانية، وقد ذكر اسم «شكيم» في نصوص «إيبلا» التي اكتشفها عالم الآثار الإيطالي باولو ماتييه ضمن مدن كنعانية أخرى في فلسطين، وقد ذكرت إلى جانب مدن بيت جبرين وأريحا وأورسالم (يبوس) (القدس حالياً) ومجدو وبيسان، كما ورد ذكرها في رسائل تل العمارنة (1400 ق.م) باسم «شاكمي»، وذكرت أيضاً في تقارير تحتمس الثالث. صراع مع الغزاة خلال تاريخها صارعت نابلس العديد من الغزاة والمحتلين، فقد غزاها كل من الفراعنة المصريين والقبائل العبرية والآشوريين والبابليين والفارسيين واليونانيين والسلوقيين، وبقيت كذلك حتى سقطت بيد الرومان سنة 63 قبل الميلاد، وخضعت لحكمهم على مدى 2000 عام، وتذكر الوثائق أنه في القرنين الخامس والسادس للميلاد أدى نزاع بين سكان المدينة من السامريين والمسيحيين إلى بروز عدد من الانتفاضات السامرية ضد الحكم البيزنطي، قبل أن تقوم الإمبراطورية بإخماد ثوراتهم بالعنف، ما أدى لاضمحلال عددهم في المدينة. وفي زمن خلافة أبي بكر الصديق، فتح العرب المسلمون، هذه المدينة وباقي فلسطين وبلاد الشام، وقاموا بتحويل اسمها إلى «نابلس» بدلاً من «نيابوليس»، ليبدأ بعد ذلك عدد المسلمين فيها بالارتفاع، إلا أنها في العام 1909 سقطت تحت الحكم الصليبي قبل أن تعود لحكم المسلمين الأيوبيين والمماليك بعدهم. أما في العهد العثماني
فقد أصبحت هذه المدينة عاصمة سنجق نابلس، وكانت في هذه الفترة سنجقاً تابعاً لإيالة دمشق ثم لإيالة صيدا (التي خلفت إيالة عكا وأجزاء من إيالة دمشق)، وأخيراً ولاية بيروت في آخر تقسيم إداري عثماني. أهم مدينة تجارية في سنة 1832 دخلت نابلس تحت الحكم المصري بقيادة القائد إبراهيم باشا، وفي عام 1834 ثار أهل نابلس على الحكم المصري ولكنهم أخفقوا، دام هذا الحكم حتى سنة 1840، حيث عادت فلسطين إلى الحكم العثماني. وفي نهايته أصبحت مدينة نابلس سنجقاً تابعاً لولاية بيروت ويضم 100 قرية. كانت نابلس خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر أهم مدينة تجارية في فلسطين، متفوقة على القدس وعلى المدن الساحلية، وكانت أيضاً أكبر مركز لإنتاج القطن في الشام نتيجة لذلك، تعرضت نابلس بدءاً من عام 1773 إلى حصار عسكري واقتصادي تبعه احتلال قام به ظاهر العمر وخلفه أحمد باشا الجزار لإضعاف دورها وتقوية دور عكا، ودام ذلك حتى عام 1804. وفي عام 1837 ميلادية ضرب زلزال قوي مدينة نابلس وأدي إلى تدمير حي كامل فيها وتضرر واحد آخر، فيما سقطت المدينة في يد البريطانيين في العام 1918 بعد مقاومة عنيفة من قبل العثمانيين، وحتى بعد خضوع فلسطين للانتداب البريطاني في العام 1922 تحولت نابلس إلى مركز للمقاومة، ولذلك قام البريطانيون بتدمير أجزاء كبيرة من حارة القريون لقمع المقاومة. وسقطت نابلس تحت الاحتلال الإسرائيلي عام 1967 حين سقطت الضفة الغربية بأكملها. ومنذ سقوطها حتى اليوم، شكلت نابلس إحدى أهم بؤر المقاومة وسقط منها شهداء كثر من أقدمهم وأبرزهم الشهيدة شادية أبو غزالة التي سقطت في عام 1968 ولينا النابلسي التي استشهدت عام 1976. وبعد اتفاق أوسلو في عام 1993، انسحبت قوات الاحتلال الاسرائيلي منها عام 1995، أي قبل 4 أيام من الموعد المتفق عليه مع السلطة الفلسطينية، وبذلك كانت نابلس الوحيدة من بين المدن الفلسطينية التي أخليت قبل موعدها. قلب فلسطين تعتبر مدينة نابلس قلب فلسطين لموقعها الجغرافي الذي يربط شمالها بجنوبها وشرقها بغربها، وهي تتمتع بموقع جغرافي هام، حيث تتوسط إقليم المرتفعات الجبلية الفلسطينية وجبال نابلس، وتعد حلقة في سلسلة المدن الجبلية من الشمال إلى الجنوب وتقع على مفترق الطرق الرئيسية التي تمتد من الناصرة وجنين شمالاً حتى الخليل جنوباً ومن يافا غرباً حتى جسر دامية شرقًا. وتبعد نابلس عن مدينة القدس مسافة 69 كم وعن العاصمة الأردنية عمان مسافة 114 كم، في حين تبعد عن البحر الأبيض المتوسط مسافة 42 كم، وهي ترتبط بالمناطق المحيطة بها والمدن الأخرى بشبكة جيدة من الطرق تصلها بمدن طولكرم وقلقيلية ويافا غرباً وبعمان شرقاً وبجنين والناصرة شمالاً وبالقدس جنوباً، فضلاً عن أنها ربطت في العام 1915 مع خط سكة حديد الحجاز الممتد من دمشق إلى المدينة المنورة. قصر في بستان تقع مدينة نابلس على رقعة جغرافية جميلة جداً، وقد وصفها شيخ الربوة الدمشقي بأنها «قصر في بستان»، وقال عنها عمر السكندري في كتابه «تاريخ سوريا» المطبوع في بيروت عام 1882، «منظر هذه البلدة جميل للغاية قيل إنه أجمل منظر في فلسطين من دان إلى بئر السبع». في حين تمتد الرقعة العمرانية فيها فوق جبل عيبال شمالاً وجبل جرزيم جنوباً وبينهما وادٍ يمتد نحو الغرب. ولخصوصية الموقع الجغرافي لمدينة نابلس المتمثلة بانحصارها بين جبلين تتواجد في المدينة العشرات من عيون المياه التي تزيد من جمال وبهاء المدينة نذكر منها عين العسل،
عين الست، عين الكاس، عين حسين، عين القريون، عين ميرة، عين الخضر، عين الصلاحي، عين السكر، عين الصبيان، عين الساطور، عين العجيبة، عين بدران، عين التوباني، عين بير الدولاب، عين التوتة بالإضافة إلى سبل المياه المختلفة مثل سبيل الغزاوي وسبيل الخضر وسبيل السلقية وسبيل الساطور. قرى مجاورة يحيط بالمدينة عدد كبير من القرى منها: اجنسنيا، الباذان، برقة، بلاطة البلد، بورين، بيت امرين، بيت ايبا، بيت دجن، بيت فوريك، بيتا، تل، تلفيت، جيت، جالود، حجة، حوارة، دوما، دير شرف، دير الحطب، روجيب، زواتا، سالم، سبسطية، سبسطية الجديدة، صرة، طلوزة، عسكر البلد، عصيرة القبلية، عزموط، عصيرة الشمالية، عورتا، عوريف، عينابوس، الساوية، قبلان، قريوت، اللُبن الشرقية، مادما، الناقورة الجنوبية، ياصيد، جماعين، مجدل بني فاضل، قصرة، عقربا، سارا، جوريش. أدب الرحلات تذكر كتب التاريخ وصف بعض الرحالة العرب لنابلس بدمشق الصغرى للتشابه مع دمشق بمعالمها ومناخها ومياهها وينابيعها وجبالها وفاكهتها وخضارها، وحتى في لهجتها وكثير من عاداتها وتقاليدها. وهي أكثر مدن فلسطين شبهاً وارتباطاً بدمشق، حيث كان تجارها يصدرون الصابون والمنتجات المحلية الأخرى إلى دمشق ويعودون بالأقمشة والتوابل. إضافة إلى ذلك، يعود أصل العديد من عائلات نابلس إلى المناطق السورية، مثل عائلة النمر التي قدمت من منطقة حمص وحماة وعائلة طوقان التي قدمت من منطقة حماة السورية. دمشق الصغرى وقد ورد ذكرها في العديد من الكتب التي وثقت أدب الرحلات، حيث كانت المدينة مقراً للعديد من الرحالة والكتاب، ومن هؤلاء المقدسي الذي وصفها في كتابه (أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم)، حيث قال: «نابلس في الجبال كثيرة الزيتون يسمونها دمشق الصغرى. وهي في وادٍ قد ضغطها جبلان، سوقها من الباب إلى الباب وآخر إلى نصف البلد، والجامع وسطها، مبلطة نظيفة لها نهر جارٍ، بناؤهم حجارة». في حين أن ابن بطوطة قد زارها في العام 1325 ميلادية، وقد وصفها بأنها «مدينة عظيمة كثيرة الأشجار والماء ومن أكثر بلاد الشام زيتوناً، وبها مسجد جامع متقن وحسن في وسطه بركة ماء عذب». أما مجير مجير الدين الحنبلي العليمي فقد أفاض في ذكرها ونواحيها، حيث قال: «نابلس مدينة بالأرض المقدسة مقابل بيت المقدس من جهة الشمال مسافتها عنه نحو يومين بسير الأثقال خرج منها كثير من العلماء الأعيان وهي كثيرة الأعين والأشجار والفواكه ومعظم الأشجار بضواحيها الزيتون»، كما زارها الرحالة العثماني أولياجلبي في 1671 ميلادية، وكتب فيها أنها: «مركز لواء تابع لولاية دمشق ويضم مائتي قرية». وذكر مساجدها وسوقها ومدارسها وحماماتها، قائلاً: «إنها تقع بين جبلين وتكثر فيها الجناين والبساتين ومناخها ممتاز وتحيط بها جبال تكسوها الكروم وأشجار الليمون والرمان والتين والزيتون والنخيل». التنوع الديني كغيرها من المدن الفلسطينية، تتميز مدينة نابلس بتنوعها الديني، وبحسب الوثائق التاريخية، كانت نابلس في عام 891 الميلادي، أي خلال العهود الأولى للحكم العربي، تحوي تنوعا دينيا كبيرا، وكان أكثرية سكانها يدينون بالإسلام، المسيحية، والسامرية. وبحسب الجغرافي شمس الدين الأنصاري الدمشقي الذي قال إن المدينة كانت خلال العهد المملوكي، مأهولة بالمسلمين، السامريين، المسيحيين الأرثوذكس، المسيحيين الكاثوليك، واليهود. وقد أظهر إحصاء عام 1931 أن المدينة حوت على 16483 مسلماً، 533 مسيحياً، 6 يهود، و167 شخصاً ي
دينون بأديان أخرى، على الأغلب أن معظمهم سامريّون، ومعظم سكان نابلس اليوم يدينون بالإسلام، ولا يزال يعيش فيها حتى الآن بعض المسيحيين والسامريين. ويعتقد أن كثيراً من الفلسطينيين المسلمين في المدينة ينحدرون أصلاً من سامريين اعتنقوا الإسلام عند الفتح الإسلامي لبلاد الشام، والبعض من أسماء العائلات المسلمة اليوم يتم ربطها بالسامريين. ويقال إن أجدادهم كانوا من أتباع ذلك الدين، مثل آل مسلماني وآل يعيش وغيرهم. ويقول المؤرخ فياض الطيف، إن أعداداً كبيرة من السامريين اعتنقوا الإسلام بسبب الاضطهاد الذي كانوا يتعرضون له، وبسبب الطبيعة التوحيدية للاسلام، الأمر الذي جعلهم يتقبلونه بصورة أسهل وأسرع. العاصمة الاقتصادية تلقب نابلس بعاصمة فلسطين الاقتصادية، وهي تعتبر المركز التجاري والصناعي الرئيس في فلسطين، وذلك نتيجة لموقعها الجغرافي الذي يتميز بأمطاره الغزيرة، كما تعتبر مركزاً لإنتاج وتبادل المنتجات الزراعية، وتشتهر المدينة بصناعة الصابون والمصنوعات اليدوية والأثاث والبلاط الملون وتشتهر بجودة حجارتها ومهارة حجّاريها ومصانع النسيج ودباغة الجلود. وتوجد على تخومها سوق لتبادل البضائع الحية كالمواشي وسوق الخضار المركزية للضفة الغربية. وهي تضم اليوم الإدارات العامة لكبريات الشركات الفلسطينية مثل شركة الاتصالات الفلسطينية وشركة فلسطين للتنمية والاستثمار (PADICO). وفيها مقر البورصة المعروفة رسمياً بسوق فلسطين للأوراق المالية، كما أنها كانت مركزاً للإدارات الإقليمية للمصارف الفلسطينية والعربية الموجودة في الضفة الغربية قبل أن يتم نقل معظمها إلى رام الله مع تأسيس السلطة الفلسطينية هناك، ولذلك تشتهر نابلس بعمارة أسواقها، وخاصة حي القصبة في المدينة القديمة والذي يعد حالياً من أهم أحيائها، كما تشتهر بحلوياتها خاصة الكنافة التي تنسب أجودها للمدينة. وتشتهر المدينة بالكثير من المنتجات الزراعية والمصنعة ومن أهمها: الحياة الثقافية والتراث تعتبر نابلس من أغنى المدن الفلسطينية ثقافياً وتراثياً. من الألقاب التي عرفت بها نابلس «عش العلماء» ويعود سبب التسمية إلى كونها مركزاً علمياً وأدبياً، وقد برز منها ثلة من الشعراء والأدباء الذين حظوا بشهرة واسعة وأضحوا من أعلام الفكر والشعر والأدب في العالم العربي. ومن أشهر شعرائها نذكر إبراهيم طوقان شاعر فلسطين، وشقيقته فدوى طوقان وحلمي الزواتي وعبد اللطيف عقل وليلى علوش وعلي الخليلي، ومن أدبائها في القرن العشرين عادل زعيتر وقدري طوقان ومحمد عزة دروزة وثريا ملحس وأكرم زعيتر. معالم أثرية تحتوي مدينة نابلس على العديد من المعالم الأثرية التي تعود بتاريخها إلى سنوات غابرة، حيث يوجد فيها أكثر من 17 معلماً إسلامياً، و11 مسجداً في المدينة القديمة، منها 9 مساجد تعود الى القرن الخامس عشر، وبحسب الإحصائيات الحديثة فقد وصل عدد المساجد فيها الى 49 مسجداً، أقدمها جامع الخضراء، الذي يعود إلى بداية العهد الإسلامي، جامع التينة، جامع البيك، الجامع الصلاحي الكبير الذي كان كاتدرائية، جامع الساطون، جامع النصر، المسجد العمري، جامع المساكين، المسجد الحنبلي، جامع الأنبياء، جامع الخضر، مسجد العامود. وإلى جانب المساجد تنتشر في نابلس بعض الكنائس أهمها كنيسة للروم الأرثوذكس مكرسة للقديس جوستين الشهيد، المبنية عام 1898، وكنيس للسامريين، لا يزال يُستعمل من قبل تابعي هذه الديانة، وهناك أيضاً الكنيسة الأرثوذكسية المُقامة فوق بئر يعقوب.